الشيخ محمد رشيد رضا
495
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الامر فيه بمشيئته وحكمته ورحمته ، بغير حد ولا نشبيه ، ولا شريك له في الخلق والتقدير ، ولا في التصرف والتدبير ، ما من شفيع عنده إلا من بعد اذنه ، فله وحده الامر ، وبيده النفع والضر بعد تقرير هذه الحقيقة في توحيد الربوبية قال تعالى محتجا بها على توحيد الألوهية ( ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ) أي فاعبدوه وحده ولا تعبدوا معه غيره بطلب شفاعة ولا دعاء ولا ما دونهما من مظاهر العبادة ، إذ لا رب لكم غيره ، وإنما تجب العبادة لرب العباد دون غيره . واستدل على توحيد الربوبية بما في الآيات 4 - 6 من الآيات ( الدلائل ) الكونية ثم عاد إلى توحيد الألوهية وهو العبادة الخاصة في الآية ( 18 وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) ودحض هذا القول منزها نفسه عن هذا الشرك ثم احتج على بطلان شركهم هذا بما في الآيتين 22 و 23 من ضرب مثل لهم يعرفونه بالتجربة ، لوقوعه لكثير منهم في أزمنة مختلفة ، وهو أنهم إذا ركبوا في الفلك وعصفت بهم الريح ، وهاج بهم البحر وأشرفوا على الهلاك ، يدعون اللّه وحده مخلصين له الدين وينسون عند شدة الخطر ما كانوا يشركون به من الشفعاء والأولياء ثم عاد إلى التذكير بالآيات الكونية على وحدانية الربوبية في الآيات 31 - 36 وإلى توحيد الألوهية في الآية ( 49 قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) ثم عاد إلى التذكير بتوحيد الربوبية في سياق آخر فبين في الآية 56 إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وفي الآية 66 إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وان الذين يدعون من دون اللّه لا يتبعون شركاء للّه إذ لا شركاء له ، ما يتبعون إلا الظن والخرص ثم بين في الآيتين 71 و 85 ان كمال التوحيد في التوكل على اللّه وحده ومن شؤون الرب وحقه على عباده التشريع الديني وقد بين في الآية 15 والآية 107 ان الرسول متبع لما يوحى اليه عملا وتبليغا ، لا مشترع مستقل فيه ولا متحول عنه وفي الآيتين 59 و 60 أن جميع ما أنزله اللّه تعالى لعباده وأنعم به عليهم من أنواع الرزق فهو حلال لهم ليس لأحد منهم حق أن يحرمه عليهم لذاته تحريما دينيا . وان من تحكم فيه بالتحريم والتحليل فهو معتد على حقه تعالى مفتر عليه